٢- للمزيد اضغط هنا

كلمات عن الإحصاء ومجالاته في يومه العالمي

أ.د. عبدالرحمن بن محمد أبوعمه  

 

تحتفل الأمم المتحدة في العشرين من شهر أكتوبر الحالي بالمناسبة الثالثة ليوم الإحصاء العالمي (world statistics day). ووضعت شعارا له لهذا العام "ربط العالم ببيانات يمكن أن نثق بها". وهذا اليوم مناسبة تتكرر مرة كل خمس سنوات حيث كان الاحتفاء الأول بهذا اليوم  في 20 أكتوبر 2010 م ويعود اقتراح هذا اليوم إلى هيئة الإحصاء في الأمم المتحدة.

ومن المعروف أن الإحصاءعلم يدّرس في الجامعات وعلى المستويات الجامعية الأولى أو البكالوريوس والماجستر والدكتوراة. كما أصبح لعلم الإحصاء مجلاته ودورياته المتخصصة التي تُعد بالعشرات وتصدر في مجالاته وتخصصاته المختلفة سنويا العديد من الكتب وتعقد المؤتمرات لدراسة بعض الصعوبات التي تواجهه وتعرض الجديد من تقنياته. والإحصاء من العلوم المحب لغيره أو المتعددة المساقات (multidisciplinary) فهو يعتمد على الرياضيات وعلى الحاسب الآلي، بالإضافة إلى المنطق السليم والتفكيرالقويم. كما ظهرت للإحصاء تخصصات من نتاج تطبيقاته في المجالات العلمية الأخرى مثل الإحصاء الهندسي والإحصاء الإقتصادي والإحصاء الحيوي والإحصاء الطبي وإحصاءات علوم التأمين والإحصاءات الرسمية أو الحكومية والإحصاءات العالمية.

ويبدو انه بعد أن أزعجت النتيجة الإحصائية كثيرا من الناس في القرن التاسع عشر، لكونها تتعارض مع فهمهم أو رغبتهم،  اشتهرت عبارة "أن الكذب يتدرج في ثلاثة مراحل،  من الكذب المعتاد إلى الإفتراء وأشده الإحصاء" ومع أن بعض المضادين للمنطق عزوها لرئيس الوزراء البريطاني بنياماين ديزرائيلي، إلا أنه لم يثبت في خطبه  وأقواله ما يشير إلى ذلك. وتطورت استخدامات علم الإحصاء حتى قيل، بعد ذلك،  أن سيكون التفكير الإحصائي متطلب للمواطن النافع مثل إجادة القراءة والكتابة.

والإحصاء علم دقيق وتزيد إجادته بالخبرة وقد تنشر المجلات أبحاث علمية تفتقد المبررات الإحصائية والمنطق الإحصائي السليم.  ولقد عاصرنا، في الشهور الماضية، الجدل في مدى جودة مراحل اختبار لقاحات كورونا فيما يخص طبيعة العينة وتصميم التجارب وطرق الحساب والتحقق من الأضرار الممكنة لكل لقاح.

 في عام 1954 م نشر الصحفي (Darrell Huff كتابا بعنوان "كيف تكذب با لإحصاء" وقد لقي قبولا لكونه يوضح الأساليب التي تؤثر على عملية جمع البيانات والمقارنات غير الدقيقة والاستنتاجات غير العلمية.    تلاه (W. J. Reichman) في عام 1961م بكتاب بعنوان "استخدام وسوء استخدام الإحصاء".

وكلمة الإحصاء ليست تعبير حديث في اللغة العربية بل وردت في القران الكريم على سبيل المثال قال تعالى في سورة الكهف أية 49 (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)  وفي أية 94 من سورة مريم قال تعالي (.لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا). كما وردت بعض تصاريف كلمة إحصاء ودلالاتها في مواضع أخرى من  القرآن الكريم . وتوجد العديد من الدراسات عن العدد والعد والإحصاء والإعجاز الإحصائي في القرآن الكريم مما يستحق الدراسة.

ولعل كتاب "ذواقة الشاي: كيف غيّر الإحصاء العلم في القرن العشرين" والذي كتبه (David Salsburg)   وبدايته  أن سيدة ادعت أنها تستطيع، بالتذوق، أن تعرف فيما إذا كان كوب الشاي بالحليب قد كان الحليب أولاً وصُب عليه الشاي أو أن الشاي أولاً وصُب عليه الحليب.  وقد كان هذا الجدل والكتاب فتحاً لتطوير نظرية الاحتمال وتصميم التجارب فيما بعد.

أما في القرن الواحد والعشرين فقد أجمع كثير من العلماء بأن الإحصاء مهم في استنتاج الحقائق من البيانات والمعلومات، ييسر المقارنات بين المجتمعات المصدر للبيانات ويمكن من صياغة سياسات مبنية على المعلومات السابقة  وبالإحصاء نتنبأ بالسلوك القادم لكثير من الظواهر وفيه نختبر فرضيات قائمة أو محتملة .

أما الآن فنادرا ما تخلو إدارة  حكومية أو مؤسسة خاصة من قسم وإدارة للإحصاء فنجد الإحصاء التربوي في التعليم والإحصاء الصناعي والإحصاء الصحي والإحصاء الزراعي والإحصاءات التجارية وإحصاءات الورادات والصادرات وإحصاءات البترول وإحصاءات الأسهم والشركات المساهمة، بالإضافة إلى أقسام الإحصاء في الشركات الخاصة وفي مراكز الدراسة والبحث ومراكز دراسات المستقبل وفي كل المجالات والانشطة االيومية للبشر تقريبا.

ساعدت البرامج والحزم الجاهزة مثل الأكسل (Exces) والمينيتاب (MINITAB) وحزم الإحصاءات للعلوم الاجتماعية (SPSS)  وغيرها على جرأة بعض مستخدمي الإحصاء لوضع بياناتهم في هذه الحزم دون النظر إلى متطلبات الاختبار الإحصائي المطلوب ومدى ملائمة الاختبار لطبيعة البيانات أو لتبرير النتيجة التي تم التوصل إليها.  وشاعت في نهاية القرن العشرين الماضي عبارة (GIGO)  والتي تنص على أن " الحثالة الداخلة تعطي حثالة خارجة"،    ومنذ ذلك الوقت بدأت العناية بنوعية البيانات (data quality) وموثوقية البيانات (data reliability)   ومنها يؤكد شعار يوم الإحصاء العالمي (Connecting the world with data we can trust) .

Undefined